السيد كمال الحيدري

201

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

والغريب أن الدكتور بشّار عواد معروف - وعلى غير عادته في مثل هذه الحالات - لم يضعِّف الرجل ولم يعترض عليه . ولعلّ ذلك يعود لسطوة الجوزجاني ونفوذه في الوسط العلمي حتّى هذا اليوم ، وإنّما اكتفى بالتعليق على ما نقلناه عن الذهبي بكونه ( ثقة حافظ ، أحد أئمّة الجرح والتعديل ) بقوله : ( ولكن المطالع لكتابه يجد أنه جرّح خلقاً كثيراً بسبب العقائد ، ولاسيّما من العراقيين ، ولا يصحّ ذلك ؛ إذ به تسقط كثير من السنن والآثار ، وهو بلا شكّ كان عنده انحراف عن سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ) « 1 » . هذا ، وقد أهمل ملاحظته - التي نقلناها عنه فيما تقدّم - في حريز بن عثمان الرحبي حين قال : ( وعندي أن حريز بن عثمان لا يحتجّ به ومثله مثل الذي يحطّ على الشيخين ) ، ونقضه على الذهبي في أن من ثبت « نصبه » فهو كمن ثبت « رفضه » « لا يحتجّ به ولا كرامة » . ازدواجية المعايير في عمليتي التوثيق والتضعيف بين « النصب » و « التشيّع » ذكرنا فيما تقدّم عيّنةً سريعة على ما سمّيناه ب - « انقلاب معايير الجرح والتعديل » ، ومن خلالها تبيّن للقارئ الكريم أنّ الاتّجاه الأمويّ يكون صارماً في تجريح وتضعيف كلّ من فيه شائبة « تشيّع » و « موالاة » - لا بل مجرّد « ميلٍ » للإمام أمير المؤمنين علي ( ع ) - في مقابل توثيق سخيّ ومدح مفرط وثناء غير منقطع على من ثبت « نصبه » و « عداؤه » له ( ع ) ، وهذه مفارقة تنبّه لها بعض المعاصرين كما في حالة الدكتور بشّار عوّاد معروف ، وإن تخلّى عن التمسّك

--> ( 1 ) المزي ، تهذيب الكمال ، ج 2 ، ص 250 ، الهامش .